فى ندوة «رد الجميل».. «القاهرة الدولى للمسرح التجريبى» يحتفى برموز الإخراج

فى ندوة «رد الجميل».. «القاهرة الدولى للمسرح التجريبى» يحتفى برموز الإخراج




يواصل مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى برئاسة الدكتور سامح مهران، فعاليات دورته الـ٣٣، واحتفى المهرجان، بتجربة المخرج والباحث والأكاديمى العراقى الراحل عونى كرومى، والمخرج السودانى يوسف عايدابى أحد مؤسسى الحركة الفنية فى الوطن العربى، فى ندوتين أقيمتا تحت عنوان «رد الجميل»، وأدار الحديث عن عونى كرومى، المسرحى والناقد العراقى بشار عليوى، بمشاركة عدد من المسرحيين والنقاد والباحثين العراقيين، وهم الدكتور محمد سيف، ورياض موسى سكران، والدكتور نورس عادل، إلى جانب جبار جودى نقيب الفنانين العراقيين، والدكتور سامح مهران رئيس المهرجان.

وفى مستهل الندوة، استعاد بشار عليوى تجربة عونى كرومى بعد عشرين عامًا على رحيله، متوقفًا أمام الوصف الذى ارتبط باسمه باعتباره «وسيط الثقافات»، ومطرحًا السؤال حول ما الذى فعله كرومى حتى استحق هذا الوصف.

وقال عليوى إن الاجتماع حول عونى كرومى اليوم لا يقوم على المحبة وحدها، لأن المحبة لا تصنع معرفة، مؤكدًا أن تجربة الراحل أكبر من ذلك وتحتاج إلى قراءة وتأمل فى مسيرته المسرحية والفكرية والأكاديمية.

وأوضح أن عونى كرومى ذهب إلى ألمانيا طالبًا، ثم عاد إلى العراق حاملًا معرفة لم يستنسخها كما هى، فعندما عاد إلى بغداد لم يفصل الجامعة عن الدرس وعن المختبر، وإنما درّس الإخراج والتمثيل، وحوّل الدرس إلى ورشة عمل، وربط الممارسة بالنظرية، وأسهم فى تكوين باحثين وفنانين وأجيال من المسرحيين العراقيين والعرب.


وأضاف أن كرومى عندما انتقل مرة أخرى إلى ألمانيا فى مرحلة أخرى من حياته، لم يصبح المسرح الألمانى بالنسبة إليه مكانًا للمنفى فقط، وإنما مساحة جديدة للعمل والحوار، وتوقف عند مشروع «طريق الحرير» مع مسرح الرور، الذى تعامل فيه المسرح مع نفسه باعتباره وسيطًا للحوار بين الثقافات، بينما تحرك كرومى بين المسرح الألمانى والعراقى والعربى، مستفيدًا من معرفته العميقة بهذه الفضاءات، وأسهم فى تعريف المتلقى بالممارسة البريختية.

مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى
مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى

وأشار إلى إحدى العبارات التى وجدها أثناء بحثه فى المصادر الألمانية عن كرومى، والتى وصفته بأنه «سفير بين الثقافات، دافع عن الحوار، وأقام السلام، وجمع فنانين من بلدان مختلفة، وكان حريصًا دائمًا على بناء الجسور»، معتبرًا أن كلمة «الجسور» تختصر الكثير من تجربة كرومى، خاصة فى ضوء مقولته: «المسرح لا يعيش إلا إذا دخل فى حوار مع قضايا الناس».

وتابع عليوى أن هناك جانبًا آخر لا ينبغى نسيانه، وهو أن عونى كرومى لم يقدم عروضًا فقط، وإنما صنع أجيالًا، وقال إن النظر إلى القاعة اليوم، وإلى هذا الجمع من أصدقائه وطلابه ومحبيه وزملائه بعد عشرين عامًا من رحيله، يكشف أن الإجابة عن سؤال أثره ليست موجودة فقط فى الكتب أو الوثائق أو أرشيف المسرح، وإنما موجودة هنا فى هذه القاعة.

وأضاف أن كرومى رحل منذ عشرين عامًا، ومع ذلك يجتمع المسرحيون من بلدان مختلفة للحديث عنه وإعادة قراءة تجربته واستعادة دروسه وعروضه ومواقفه، وهو ما يؤكد أن مشروعه المسرحى لم ينتهِ برحيله.

وأوضح أن عونى كرومى رحل فى برلين يوم ٢٧ مايو ٢٠٠٦، بعد رحلة مسرحية وفكرية وأكاديمية طويلة، جمع خلالها بين الإخراج والتمثيل والبحث والتدريس، وأسهم فى صناعة أجيال من المسرحيين، فاستحق عن جدارة لقب «وسيط الثقافات» والمعلم المسرحى.

وأكد أن عنوان الندوة «رد الجميل» يحمل الكثير مما يريد المسرحيون قوله لعونى كرومى، إلا أن رد الجميل إليه لا يكون بمجرد تذكره، وإنما بإعادة قراءته، ومن هنا تأتى هذه الندوة التى يشارك فيها عدد من الباحثين والأساتذة والأصدقاء من العراق، ليقرأ كل منهم تجربة كرومى من زاوية مختلفة.

وأشار عليوى إلى أن الندوة تجمع ثلاثة من المسرحيين والنقاد والباحثين العراقيين، لكل منهم رؤيته الخاصة لتجربة كرومى، مؤكدًا أن الوقت يظل قليلًا أمام شخصية إنسانية عراقية وعربية أصيلة ما زال أثرها حاضرًا حتى اليوم، مضيفًا أن العراقيين يفتخرون بعونى كرومى باعتباره أحد الرموز المهمة فى تاريخ المسرح العراقى.

واستهل الباحث والمخرج والممثل والدراماتورج والناقد المسرحى العراقى الدكتور محمد سيف حديثه بالإشارة إلى عدد من الآباء المؤسسين للمسرح العراقى، ومن بينهم إبراهيم جلال، وجاسم العبودى، وقاسم محمد، وسامى عبد الحميد، مؤكدًا أن هؤلاء المخرجين والأساتذة علموا أجيالًا من المسرحيين أن المسرح علاقة إنسانية أولًا وقبل كل شيء.

وقال سيف إن من الصفات الكثيرة التى ميزت عونى كرومى أنه كان دائمًا محاطًا بالطلبة، حتى إن من يراه يمشى معهم لا يشعر أنهم تلامذته، وإنما أصدقاؤه، وأضاف أنه عندما كان يزور كرومى فى تمرين مسرحى، كان يجد الممثل والمخرج والسينوغراف وصاحب الإضاءة يعملون معًا على العرض المسرحى، فى صورة تشبه المختبر المسرحى الحديث فى أوروبا.

وأكد سيف أن تواضع كرومى لم يقلل من احترام الآخرين له، وإنما عمّق حضوره، موضحًا أن هذا التواضع كان يصل إلى درجة تجعل من حوله يشعرون بالحرج أمام ما يطرحه من أفكار.

وتوقف سيف عند قضية الفجوة بين الأجيال المسرحية الحديثة والرواد، مشيرًا إلى أنه يشك فى أن بعض الشباب فى العراق اليوم يعرفون عونى كرومى وتفاصيل تجربته وعروضه بالقدر الكافى، مستشهدًا بأعمال مثل «السيد والعبد» و«غاليلو» و«الإنسان الطيب» و«بيت برناردا ألبا».

ورأى أن «رد الجميل» يعيد الذاكرة إلى مكانها، ويعيد تقديم أسماء المسرحيين الكبار إلى الأجيال الجديدة، مشيرًا إلى أن هذا التذكر مهم للأجيال الحالية قبل أن يكون للراحلين أنفسهم، لأن هؤلاء المسرحيين تركوا ما تركوه من منجز، والمطلوب هو تغذية ذاكرة الأجيال الجديدة وتعريفها بمن أسسوا المعرفة المسرحية الحقيقية وبناة المسرح العراقى والعربى.

وأوضح أن تجربة كرومى لم تقتصر على العراق، فقد عمل فى الأردن وعمان ومصر وبرلين، إلى جانب تجربته فى العراق، وهو ما يعكس اتساع مشروعه المسرحى.

وتناول سيف علاقته بالبريختية، موضحًا أن كرومى درس فى ألمانيا فى الفترة التى كان فيها المسرح البريختى فى ذروة حضوره، وأخذ من هذه التجربة، لكنه عندما عاد إلى العراق لم يقدمها كما هى، وإنما قدمها وفق أسئلة البيئة العراقية وسياقها المعرفى الخاص.

وأشار إلى أن عروض كرومى فى سنواته الأخيرة تعاملت مع المسرح العراقى، ومع نصوص قديمة ومصادر ليست بالضرورة نصوصًا مسرحية، ومنها الأناشيد السومرية والبابلية، مؤكدًا أن لديه وجهة نظر مختلفة فى المسرح، باعتباره فنًا وعالمًا كونيًا وليس محليًا فقط.

وأضاف سيف أن كرومى كان دائمًا يدفعه إلى النظر إلى ما هو أبعد، حتى عند التعامل مع قصيدة شعبية عراقية، وهو ما كان يفعله بنفسه فى أعماله، ومن بينها «طبل الغرام»، حيث لا يرى المتلقى العراق بصورة مباشرة بكل تفاصيله، وإنما يرى الخوف والحرب والصراع والدمار، رغم أن المادة مرتبطة بنص بريخت المأخوذ عن شكسبير.

وتحدث الدكتور رياض موسى سكران الأستاذ بكلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، عن تجربته مع أستاذه عونى كرومى، مؤكدًا أن مرور عشرين عامًا على رحيله لم ينهِ حضوره، وإنما جعله يتجدد يومًا بعد يوم، لأنه، بحسب وصفه، كان يمثل جسرًا لكل التناقضات، وجسرًا للحوار مع الآخر، قبل أن يتأسس مفهوم حوار الثقافات بين الدول والشعوب المختلفة، وصولًا إلى تأسيس حوار الإنسان مع ذاته.

وأوضح سكران أن ورقته حملت عنوان «فتى الترنيمة يفترض التحليل»، مستعيدًا من خلالها صورة عونى كرومى فى بداياته، ومشيرًا إلى أن تجربته ارتبطت منذ البداية بالنشيج العراقى والحنين والغربة ومكابدة الإنسان لأسئلته.

واستعاد سكران مشهدًا من أحد عروض كرومى، مستندًا إلى الأغنية التى كانت تؤديها الفنانة إقبال نعيم، والتى يقول مطلعها: «تحن سنينى لسنينك.. لهفة مايك وطينك.. أوادت كل سحابة غيم.. واشتاكى الشمس عينك».

وقال إن هذا النشيج العذب والمعذب، والمتجذر فى أقصى زوايا الحنين العراقى، أخذه إلى عالم كرومى، وإلى صورة ذلك الشاب الذى يظهر وسط فضاء البيت البغدادى القديم، فى مشهد يحمل الحلم والغربة والبحث عن مكان ووطن بلا حدود.

وأضاف أن طلبة المسرح كانوا يجلسون فى زوايا وأركان البيت البغدادى، بينما يظهر كرومى وسط هذا الفضاء وكأنه روح تبحث عن ملاذ ومكان ووطن، مشيرًا إلى أن هذه الصورة ظلت مرتبطة فى ذاكرته بتجربة الراحل.

وأوضح سكران أن «فتى الترنيمة» جاء من نبض النشيج والأنين العراقى المزمن، ومن ذاكرة الأرض، وبعد أن عبر جسر الحياة إلى الخلود، انتقل أثره من باحة البيت البغدادى القديم إلى منتدى المسرح، ومنصة مسرح الستين كرسى، ومسارح أكاديمية الفنون الجميلة، ثم طاف العالم، قبل أن تحط روحه الرحال على منصة التجريب فى القاهرة، حيث تقام ندوة الوفاء ورد الجميل التى تليق، بحسب تعبيره، بمصر «أمنا جميعًا وأم الدنيا».

وتابع سكران أن كرومى لم يأتِ بعربة تسبيس ولا بمعطف رامبو ولا بمعطف غوغول، وإنما جاء روحًا تحمل «عشبة النور» التى منحها جدنا جلجامش، وأورثه سؤال الخلود. ومن هذا السؤال، رأى سكران أن تساؤلات كرومى كانت تبحث عن الإنسان داخل الإنسان، بوصفها امتدادًا لنور العشبة المقدس الذى أضاء روح الإنسانية.

وأشار إلى أن أربعة عقود من الزمن العراقى لم تكن كافية لوقف نزيف الدم والأسئلة التى كانت تتحرك فى رأس كرومى، مؤكدًا أن الراحل خاض خلال هذه السنوات رحلة بحث عن أصل الحياة الممتدة فى التاريخ والأسطورة والملاحم، وحاول أن يجد حلولًا لمشكلات الواقع وانعطافاته وتعقيداته.

وأكد أن كرومى كان، من خلال مجمل تجاربه، يبوح ويؤشر ويكتب للقيم الإنسانية والمثل العليا، ولذلك كان مسرحه، فى نظره، «مسرح حياة».

وأوضح سكران أن ملامح رؤية كرومى بدأت تتبلور منذ شبابه المبكر، مع ميل واضح إلى التجريب، مشيرًا إلى أنه امتلك جرأة واندفاعًا دفعاه إلى إصدار بيان فى الإخراج والمسرح والتجارب المسرحية وهو دون العشرين من عمره، دعا فيه إلى التجريب والتجديد والتعاطى مع المناهج والرؤى الحديثة.

وقال إن كل تجربة من تجارب كرومى كانت تحمل مغايرة لافتة وأسلوبًا متجددًا، مستشهدًا بمسرح الستين كرسى، الذى كان يقع فى الطابق الثانى من عمارة صغيرة فى شارع السعدون مقابل سينما بابل، حيث قدم كرومى مسرحية «أنشودة العمل»، التى امتد عرضها لأكثر من ثلاث ساعات.

وأوضح أن الجمهور لم يشعر بمرور الوقت خلال العرض بسبب التدفق الإيقاعى الذى شمل مجمل عناصر بنية العرض، مشيرًا كذلك إلى تجربة «الذباب والبرغوث» التى قدمها كرومى فى غرفة بلا خشبة، وجعل الجمهور يجلس على الأرض، بينما دار التمثيل حوله، مستخدمًا مفردات مسرحية بسيطة، من بينها شواهد القبور وغطاء أسود وبعض الحبال التى أوحت بخيمة.

وتوقف سكران بشكل خاص عند مسرحية «صراخ الصمت الأخرس»، معتبرًا أنها واحدة من التجارب اللافتة فى مسيرة عونى كرومى، لما زاوجت بين الرمزية والعبثية، وما انطوت عليه من رؤية إخراجية جريئة.

وأوضح أن الجسد والصورة والسينوغرافيا تشكلت فى العرض ضمن هارمونية لافتة، بينما كشف العرض عن ضجيج العالم الحديث وعزلته، وواجه أسئلة الإنسان حول القمع والجوع والاغتراب، ودعا المتلقى إلى البحث عن المعنى الكامن وراء ذلك الصمت الخانق.

وأشار إلى أن فضاء العرض نفسه كان ضاغطًا، من خلال مفردات مثل الأسلاك وأجهزة الراديو والتلفزيون والحاسبات، وهى مفردات خلقت فى مجموعها شعورًا بالاختناق لدى الجمهور، وضغطت عليه من كل جانب، ليدفعه ذلك إلى البحث عن خلاص روحه والاتجاه نحو الغربة والمنفى، وهو الهاجس الذى كان حاضرًا فى تجربة كرومى.

وأضاف أن معاناة الشخصيات فى العرض كانت تحدث تحت تأثير الحرب من جهة، وتأثير الغربة والمجهول من جهة أخرى، بينما تتشابك الأفكار فى محاولة للتعبير عن عبث الحياة.

وتحدث الدكتور نورس عادل أستاذ النقد المسرحى بكلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، مؤكدًا فى البداية أنه يحمل أمانة من عائلة الراحل عونى كرومى، أرسلتها ابنته رؤى، تتقدم بالشكر إلى المسرحيين فى مصر وإلى الشعب المصرى، ومن خلالهم إلى الدكتور سامح مهران والدكتور محمد سمير الخطيب، على هذا الموقف الذى وصفه بالنبل، لأنه يعيد التفكير فى الماضى والتاريخ، مؤكدًا أن التاريخ والماضى هما المستقبل فى كل الأحوال.

وقال عادل إن المسرحيين العراقيين أنفسهم بدأوا ينظرون إلى فكرة «رد الجميل» بشكل مختلف، خاصة مع رحيل عدد من كبار المسرحيين، ومن بينهم المخرج صلاح القصب، الذى أعاد فقده طرح سؤال استعادة الأثر والأسماء المهمة فى تاريخ المسرح العراقى.

وأشار إلى أن تاريخ المسرح العراقى يضم عددًا من الآباء المؤسسين، ومن بينهم بهنام ميخائيل، وإبراهيم جلال، وجاسم العبودى وغيرهم، وأن لكل واحد منهم بصمته وأثره، لكن هناك اختلافًا فى أن بعض هؤلاء الرواد امتلك، إلى جانب الأداء والاحتراف والمبادرات التأسيسية، مشروعًا مسرحيًا استراتيجيًا.

ورأى أن عونى كرومى ينتمى إلى هذه الفئة، وأن الحديث عنه يقود إلى سؤال فلسفى معقد؛ فكما يصعب وصف جبل من بعيد لأن مفردات الجمال والجلال تتداخل كلما اقتربنا منه، فإن تجربة كرومى تتسع إلى درجة تجعل وصفها فى كلمات محدودة أمرًا شديد الصعوبة.

وأوضح عادل أن السؤال عن كرومى يقود إلى عدد كبير من الأسئلة حول ما استطاع أن ينجزه خلال أربعة عقود، متسائلًا كيف استطاع أن يتعلم ثلاث لغات، وأن يترجم عددًا من الكتب، ويؤلف كتبًا أخرى، مشيرًا إلى كتابه المنشور فى الشارقة عن المسرح والضحك والكوميديا، الذى ينطلق من أفكار الفيلسوف الفرنسى هنرى برجسون حول الضحك والكوميديا وعلاقتهما بالمجتمعات المحبطة والذكاء.

وقال عادل إن كرومى حاول فى مشروعه المسرحى، باختصار، الوصول إلى فكرة يمكن تسميتها «مسرح الأكثرية»، موضحًا أن ذلك لا يعنى مغادرة الهوامش، وإنما لأن هوامش الحياة المعاصرة أصبحت، فى نظر كرومى، جزءًا من الأكثرية.

ومن هنا، بحسب عادل، كان كرومى يعيد طرح السؤال الجوهرى حول علاقة المسرح بالجمهور، حتى إذا ترتب على ذلك الخروج عن بعض الأطر الكاريزمية أو المتعالية. وأضاف أن كرومى، رغم دراسته فى ألمانيا وفى بيئة ثقافية مختلفة، عندما عاد إلى العراق عمل باللهجة الدارجة والشعبية، وتعاون مع شعراء شعبيين مثل عريان السيد خلف، كما استفاد من الأغنية، متخليًا عن فكرة التعالى، لأنه كان يرى أن اللغة نفسها مشروع حى.

وأوضح أن الإنسان قد يتحدث العربية بوصفها اللغة الأم، لكن هذه اللغة تحتاج إلى حياة داخل ذاتها، وهو ما دفع كرومى إلى التعامل مع اللغة باعتبارها مادة حية للمسرح وليست مجرد أداة جاهزة.

وقال نورس عادل إن القراءة المكثفة لتجربة كرومى دفعته إلى سؤال آخر: من هو عونى كرومى وسط هؤلاء الآباء المؤسسين؟

وأضاف أنه اكتشف أن كرومى اشتغل مبكرًا، وبشكل دقيق، على فكرة المخرج الدراماتورج، حتى دون أن يعلن ذلك بصورة مباشرة، لأنه لم يكن يهتم بالبهرجة. وأشار إلى أن أحد أسباب تشكل هذه الفكرة لديه هو دراسة كرومى فى ألمانيا، وفى بيئة ارتبطت بتجربة برتولت بريخت، إلى جانب عمله فى بغداد بصفة دراماتورج ومساعد مخرج مع أستاذه الألمانى فيرنر، الذى حضر إلى بغداد وقدم عرضًا مسرحيًا هناك.

وعقب ذلك، تحدث الدكتور جبار جودى، نقيب الفنانين العراقيين، مستعيدًا جانبًا من علاقته بتجربة عونى كرومى، ومشيرًا إلى أنه حالفه الحظ فى أن يكون قريبًا من بعض مشروعاته، خاصة فى عام ٢٠٠٢، عندما أسهم كرومى فى مجيء فرقة مسرح الرواد إلى بغداد، حيث قدمت أربعة عروض على مسرح الرشيد.

وأوضح جودى أنه كان مديرًا لإنتاج هذه العروض، ثم جرى تبادل الزيارات من خلال عرض «تفاحة القلب» الذى أهداها الراحل الكبير سامى عبد الحميد، وشاركت فيه آلاء حسين، وكان عونى كرومى مخرجًا له.

وفى تعقيبه على الندوة، قال الدكتور سامح مهران، رئيس مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، إن مسرح الهناجر فى عصره الذهبى استضاف ثلاثة من أهم المخرجين العراقيين.

وأوضح أن أول هؤلاء كان جواد الأسدى، الذى قدم مسرحية «شباك وفيليا»، ثم عونى كرومى الذى قدم «مأساة الحلاج» على مسرح الهناجر، ثم المخرج الكبير قاسم محمد الذى قدم «منطق الطير».

وأكد مهران أن علاقة المسرح المصرى بالمخرجين العراقيين كانت علاقة وطيدة وأصيلة، مشيرًا إلى أن معرفته الشخصية بعونى كرومى بدأت من خلال صديقه الذى درس معه فى ألمانيا، الدكتور يسرى خميس، الذى وصفه بأنه أحد أهم عظماء المسرح المصرى، رغم أنه لم يحصل على ما يستحقه من تقدير.ف وأضاف أن يسرى خميس ترجم أعمال بيتر فايس كاملة، وأنه كان السبب فى تعرفه عن قرب إلى عونى كرومى.

وأشار مهران إلى أن التعارف بينهما تحول منذ اللقاء الأول إلى صداقة، وإلى حوارات مسرحية وفكرية عميقة، مؤكدًا أن استعادة تجربة عونى كرومى فى القاهرة اليوم تؤكد عمق العلاقة التاريخية بين المسرح المصرى والمسرح العراقى، وتعيد فتح الحوار حول تجربة مخرج ترك أثرًا ممتدًا فى المسرح العربى.

من ناحية أخرى كان مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى قد أقام أول ندواته ضمن فعاليات دورته الـ٣٣، تحت عنوان «رد الجميل»، احتفاء بالمسرحى والباحث والمفكر السودانى الدكتور يوسف عايدابى، تقديرًا لمسيرته الممتدة وإسهاماته البارزة فى الحركة المسرحية والثقافية العربية.

وأدار الندوة السفير والفنان على المهدى، بمشاركة كل من الدكتور عادل حربى، والدكتور شمس الدين يونس، والمخرج حاتم محمد على، الذين توقفوا أمام محطات بارزة من تجربة العيدابى، ودوره الفكرى والأكاديمى والإبداعى، وإسهاماته فى توثيق ودعم الحركة المسرحية السودانية والعربية

واستهل السفير والفنان على المهدى الندوة الاحتفائية بالدكتور يوسف عايدابى، معربًا عن سعادته بإقامة هذه الجلسة فى القاهرة، التى وصفها بأنها مدينة محبوبة وعزيزة، يجتمع فيها الحضور للاحتفاء بأحد مؤسسى الحركة الفنية فى الوطن العربى ورد الجميل لمسيرته وإسهاماته.

وأكد على المهدى أن الدكتور يوسف عايدابى أسهم، من خلال اختياراته ورؤيته الفكرية المستنيرة، فى التعريف بفنون الأداء وفتح آفاق جديدة أمامها، مشيرًا إلى أن اختيار عنوان الجلسة، التى تفتتح أنشطة الاحتفاء به، جاء تحت اسم «رد الجميل للمؤسس يوسف العيدابي» تقديرًا لدوره ومكانته فى الحركة الفنية والثقافية.

ومن جانبه أكد الدكتور عادل حربى أن الدكتور يوسف العيدابى يمثل قامة بارزة فى الحركة الثقافية السودانية والعربية، وأن تجربته الممتدة جعلت منه مصدر إلهام لأجيال متعاقبة، لما امتلكه من رؤية فكرية وإبداعية تجاوزت حدود الشعر والنقد والمسرح إلى مشروع ثقافى متكامل.

وأوضح أن العيدابى، الذى جمع بين كونه شاعرًا ومفكرًا وناقدًا وباحثًا مسرحيًا وسينمائيًا، أسهم فى صياغة أدبيات تيار «الغابة والصحراء»، كما شغل عددًا من المناصب الثقافية والأكاديمية، من بينها عمادة المعهد العالى للموسيقى والدراما، وإدارة مركز دراسة الفلكلور والتراث الثقافى، إلى جانب خبرته فى إدارة المعارض والمؤتمرات والتخطيط الثقافى. وأشار حربى إلى أن أبرز سمات تجربة عايدابى تمثلت فى قدرته على استشراف المستقبل وإدراكه العميق لأهمية التنوع الثقافى فى بناء المجتمعات، إذ رأى فى التنوع السودانى مصدرًا لإثراء الفكر وتعزيز القيم، وعنصرًا أساسيًا للاستقرار والعدالة والتعايش السلمى.

وأضاف أن هذه الرؤية كانت دافعًا لمشاركته فى تيار «الغابة والصحراء»، الذى سعى إلى تقديم رؤية سودانية تجمع بين المكونين العربى والأفريقى، وتأكيد خصوصية الهوية الثقافية السودانية.

ولفت إلى أن تجربة يوسف عايدابى لم تقف عند حدود التنظير، بل امتدت إلى المسرح والتجريب، حيث عمل على تجاوز القوالب التقليدية، وتوظيف التراث والأسطورة والممارسات الشعبية فى صياغة لغة مسرحية جديدة. 

وأكد حربى أن العيدابى اعتمد فى تجربته المسرحية على إعادة الكتابة والتركيب، مستفيدًا من الشعر والغناء والأصوات والأجساد والطقوس الشعبية، ليصنع فضاءً مسرحيًا مفتوحًا للتجريب والتجديد. كما أكد دكتور شمس الدين يونس أن البعد الأكاديمى فى تجربة الدكتور يوسف عايدابى لم يكن مجرد تقلد مناصب إدارية أو الحصول على ألقاب جامعية، وإنما مثّل مشروعًا معرفيًا متكاملًا، استهدف تجديد الفكر المسرحى وربطه بحركة المجتمع السودانى.

وأشار إلى أن عايدابى تولى عددًا من المسؤوليات الأكاديمية، بداية من رئاسة قسم المسرح بمعهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية، ثم عمل نائبًا للعميد، وصولًا إلى عمادة المعهد، حاملًا فى مختلف هذه المواقع رؤية تجمع بين خبرته بالفنون الشعبية ورغبته فى تطوير التعليم الأكاديمى.

وأوضح يونس أن الدكتور عايدابى عمل، منذ توليه العمادة، على إعادة النظر فى المناهج الدراسية، من خلال ربطها بتراث المسرح السودانى دون الوقوع فى القطيعة مع الماضى أو الجمود عنده، بالتوازى مع الانفتاح على أحدث المعارف المسرحية فى مجالات التمثيل والإخراج والسينوغرافيا

كما اهتم بإدخال العلوم المساعدة، مثل علم الجمال والفلسفة وتاريخ المسرح، إلى جانب الاستفادة من خبرات أساتذة جامعتى الخرطوم والقاهرة فرع الخرطوم فى العملية التعليمية. وانعكس هذا الجهد فى تقرير التقييم الذى أعده الدكتور نبيل الألفى عن المعهد، وأشاد فيه بما وصفه بـ«البنيان المعرفى المكتمل» للمؤسسة

ولفت شمس الدين يونس إلى أن من أبرز إسهامات العيدابى الأكاديمية سعيه إلى كسر الثنائية بين الأكاديمى والشعبى، إذ دعا إلى استيعاب أصحاب الخبرات الحياتية والفنية داخل المؤسسة الأكاديمية، مؤمنًا بأن المعرفة الأكاديمية ليست المصدر الوحيد للمعرفة، وأن الفنان الشعبى ليس خارج أسوار الجامعة، بل طرفًا أساسيًا فى حوار معرفى متبادل.

وأضاف أن اهتمام عايدابى بالتوثيق مثّل امتدادًا لرؤيته الأكاديمية، فلم يتعامل معه باعتباره مجرد تسجيل للوقائع، وإنما وسيلة لاستعادة ذاكرة الفعل المسرحى من التهميش والنسيان، وجعل من الكتاب والتوثيق جسرًا يصل الأجيال الجديدة بتراثها.

من جانبه أعرب الدكتور يوسف عايدابى عن خالص شكره للدكتور سامح مهران على إتاحة مساحة للاحتفاء بالسودان وثقافته، مؤكدًا أن هذا التقدير لا يخصه وحده، وإنما يمثل تقديرًا لوطنه وتاريخه الثقافى والفنى.

كما وجه عايدابى الشكر إلى مصر، التى وصفها بأنها أحد أهم منابع العلم والمعرفة التى استلهم منها الكثير خلال مسيرته، مشيرًا إلى أنه يرد هذا الجميل إلى وطنه العزيز السودان، وإلى الشارقة التى وصفها بـ«بلده الثاني»، بعدما عاش فيها سنوات طويلة شكّلت محطة مهمة فى حياته وتجربته الثقافية.

وتوقف العيدابى عند تجربته فى الشارقة، مؤكدًا أن حظه كان كبيرًا بمعرفة حاكم وصفه بـ«الحكيم»، لما لمسه من إيمان حقيقى بالثقافة ودورها، وتسخير الإمكانات والموقع لخدمة المشروع الثقافى. وقال إن هذه التجربة منحته شرف المشاركة فى مسؤولية المشروع الثقافى فى الشارقة، والعمل بحرية مع كوكبة من المثقفين العرب والإماراتيين.

وأضاف أن من أبرز محطات هذه التجربة عمله فى الهيئة العربية للمسرح، تحت قيادة حاكم الشارقة، الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى، الذى وصفه بالشاعر والكاتب المسرحى، وبأنه نموذج فى التواضع والنبل، مؤكدًا أن دعمه للعاملين فى المجال الثقافى لم يكن قائمًا على «عصا سحرية»، بل على تمكين من يعملون معه ومنحهم الثقة والمساحة اللازمة للإنجاز.

الكاتب محمد سلماوى يُلقى كلمة «يوم المسرح المصرى» فى مفتتح احتفالية «المركز القومى»

يقيم المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، التابع لقطاع المسرح، بالتعاون مع مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى فى دورته الثالثة والثلاثين، احتفالية «يوم المسرح المصري»، وذلك فى فى إطار احتفالات وزارة الثقافة بـ«يوم المسرح المصري»، فى التاسعة مساء اليوم السبت، على مسرح معهد الموسيقى العربية برمسيس، التابع لدار الأوبرا المصرية، ومن المقرر أن تشهد مفتتح الاحتفالية إلقاء الكاتب محمد سلماوى كلمته التى كتبها هذا العام بمناسبة «يوم المسرح المصري»، على أن تُذاع وتُلقى الكلمة قبل بدء جميع العروض المسرحية التى تُقام على مسارح القاهرة والمحافظات اليوم، لتكون الكلمة افتتاحًا موحدًا للاحتفاء بهذه المناسبة على مختلف المسارح المصرية، وتستعيد كلمة سلماوى محطات مضيئة من تاريخ المسرح المصرى، ودوره فى تشكيل الوعى، ومناقشة القضايا الكبرى، ومواجهة التحولات الاجتماعية والفكرية التى شهدها المجتمع المصرى عبر العقود.

محمد سلماوى
محمد سلماوى

وقال المخرج عادل حسان، مدير المركز القومى للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، إن اختيار الكاتب الكبير محمد سلماوى لكتابة وإلقاء كلمة «يوم المسرح المصرى» يأتى تقديرًا لمكانته ودوره فى الحركة الثقافية والمسرحية المصرية، مؤكدًا أن كلمته تحمل رؤية مهمة حول تاريخ المسرح المصرى ورسالته التنويرية، وما قدمه من إسهامات فى تشكيل الوعى والارتقاء بالذائقة الفنية والفكرية، وأضاف حسان أن الاحتفاء بـ«يوم المسرح المصرى» يُمثل مناسبة لاستعادة الذاكرة المسرحية المصرية، وتكريم رموزها، والتأكيد على أن المسرح ظل، وسيظل، أحد أهم أدوات التنوير والتعبير عن قضايا المجتمع، مشيرًا إلى أن التعاون مع مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى فى دورته الثالثة والثلاثين يضيف إلى الاحتفالية بعدًا مهمًا، يجمع بين الاحتفاء بتاريخ المسرح واستشراف مستقبله.

نص كلمة الكاتب محمد سلماوى: 

«فِى يَوْمِ الْمَسْرَحِ الْمِصْرِيِّ، نَحْتَفِى بِخَشَبَةٍ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا مُجَرَّدَ مَكَانٍ تُرْوَى فَوْقَهُ الْحِكَايَاتُ، بَلْ كَانَتْ، مُنْذُ أَنْ أَطَلَّ الْمَسْرَحُ الْمِصْرِيُّ الْحَدِيثُ فِى الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، مِنْبَرًا لِلْعَقْلِ، وَنَافِذَةً عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ، وَمَجَالًا تَتَصَارَعُ فِيهِ الْأَسْئِلَةُ الْكُبْرَى مَعَ ظَلَامِ التخلف. منذ يَعْقُوبَ صَنُّوعَ وَرُوَّادِ الْمَسْرَحِ الْأَوَائِلِ، أَدْرَكَ الْمَسْرَحُ الْمِصْرِيُّ أَنَّ رِسَالَتَهُ لَا تَكْتَمِلُ بِإِمْتَاعِ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّ الضَّحْكَةَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فِعْلَ مُقَاوَمَةٍ، وَأَنَّ الْكَلِمَةَ عَلَى الْخَشَبَةِ قَدْ تُوقِظُ وَعْيًا غَافِيًا، وَتَفْتَحُ لِلْإِنْسَانِ طَرِيقًا إِلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ ظَلَّ الْمَسْرَحُ الْمِصْرِيُّ، فِى لَحَظَاتِهِ الْمُضِيئَةِ، ضَمِيرًا لِلْأُمَّةِ، وَمِرْآةً لِلْمُجْتَمَعِ، وَسُؤَالًا دَائِمًا لِلسُّلْطَةِ وَالْوَاقِعِ وَالْإِنْسَانِ.وَإِذَا كَانَتْ فَتْرَةُ السِّتِّينِيَّاتِ الْمَاضِيَةِ قَدْ شَهِدَتِ الِانْطِلَاقَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِلْمَسْرَحِ الْمِصْرِيِّ؛ فَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَدَاةَ تَشْكِيلٍ لِلْوَعْيِ الْجَمَاهِيرِيِّ، وَسَاحَةً لِمُنَاقَشَةِ الْقَضَايَا الْكُبْرَى، مِنَ الْعَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ. وَرَغْمَ مَرْحَلَةِ التَّرَاجُعِ الَّتِى صَاحَبَتْ سِيَاسَةَ الِانْفِتَاحِ الِاقْتِصَادِيِّ فِى السَّبْعِينِيَّاتِ، فَقَدْ شَهِدَ الْمَسْرَحُ تَحَوُّلًا فِى الْقَضَايَا الَّتِى يَطْرَحُهَا، فَانْتَقَلَ مِنَ التَّبْشِيرِ بِالْحَلَمِ الْقَوْمِيِّ إِلَى نَقْدِ الْوَاقِعِ الْجَدِيدِ، وَالتَّنْبِيهِ إِلَى مَخَاطِرِ التَّحَوُّلَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالنَّفْعِيَّةِ، وَمَعَ مَطْلَعِ التِّسْعِينِيَّاتِ حِينَ وَاجَهَتْ مِصْرُ تَحَدِّيًا خَطِيرًا تَمَثَّلَ فِى تَصَاعُدِ مَوْجَاتِ التَّطَرُّفِ الدِّينِيِّ وَالْإِرْهَابِ، كَانَ الْمَسْرَحُ مَرَّةً أُخْرَى فِى طَلِيعَةِ الْمُوَاجَهَةِ.إِنَّ الْمَسْرَحَ لَا يُغَيِّرُ الْعَالَمَ بِالصَّخَبِ، بَلْ بِمَا يَزْرَعُهُ فِى الْوِجْدَانِ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى التَّفْكِيرِ، وَفِى الْعَقْلِ مِنْ شَجَاعَةِ السُّؤَالِ، وَفِى الرُّوحِ مِنْ إِحْسَاسٍ بِالْجَمَالِ وَالْحَقِّ. وَلِذَلِكَ تَبْقَى رِسَالَتُهُ، الْيَوْمَ كَمَا كَانَتْ بِالْأَمْسِ، رِسَالَةَ تَنْوِيرٍ، فَهُوَ يَحُثُّنَا عَلَى أَنْ نَرَى مَا لَا نَرَاهُ، وَأَنْ نَتَسَاءَلَ حَوْلَ مَا نَظُنُّهُ يَقِينًا، وَأَنْ نَكْتَشِفَ فِى الْآخَرِ إِنْسَانِيَّتَنَا الْمُشْتَرَكَةَ.فِى يَوْمِ الْمَسْرَحِ الْمِصْرِيِّ، تَحِيَّةٌ إِلَى خَشَبَةٍ أَضَاءَتْ لَنَا الطَّرِيقَ، وَإِلَى كُلِّ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا مُؤْمِنًا بِأَنَّ الْفَنَّ لَيْسَ تَرَفًا، وَأَنَّ الْمَسْرَحَ، حِينَ يَكُونُ وَفِيًّا لِرِسَالَتِهِ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْعَلَ مِنَ الْوَعْيِ بِدَايَةً لِلتَّغْيِيرِ.فَلْيَظَلَّ الْمَسْرَحُ الْمِصْرِيُّ مِنْارَةً لِلْعَقْلِ، وَذَاكِرَةً لِلْوِجْدَانِ، وَصَوْتًا لِلْإِنْسَانِ».





img
الكاتب

مريم يعقوب

التعليقات

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة مميزة بعلامة *