‮«‬الست»‬‭ ‬يعيد‭ ‬أسطورة‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬للحياة.. منى‭ ‬زكي‭ ‬تقود‭ ‬أكبر‭ ‬مغامرة‭ ‬فنية‭ ‬في‭ ‬مسيرتها

‮«‬الست»‬‭ ‬يعيد‭ ‬أسطورة‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬للحياة.. منى‭ ‬زكي‭ ‬تقود‭ ‬أكبر‭ ‬مغامرة‭ ‬فنية‭ ‬في‭ ‬مسيرتها

ردود‭ ‬أفعال‭ ‬الوسط‭ ‬الفني‭ ‬تجاه‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬الست‮»‬‭: ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬أداء‭ ‬منى‭ ‬زكي
معالجة‭ ‬جديدة‭ ‬لسيرة‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التقليد‭ ‬المباشر



تقرير‭: ‬ريهام‭ ‬محمد


يشهد‭ ‬الوسط‭ ‬الفني‭ ‬المصري‭ ‬حالة‭ ‬استثنائية‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬منذ‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬الست‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬تقدّم‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الفنانة‭ ‬منى‭ ‬زكي‭ ‬شخصية‭ ‬كوكب‭ ‬الشرق‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬درامية‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المغامرات‭ ‬السينمائية‭ ‬جرأة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬ومع‭ ‬تسارع‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬وتنوّع‭ ‬المواقف‭ ‬بين‭ ‬التأييد‭ ‬والانتقاد،‭ ‬يتقدم‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق‭ ‬لبحث‭ ‬خلفيات‭ ‬العمل،‭ ‬دوافعه‭ ‬الفنية،‭ ‬الأبعاد‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬يحملها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬السياق‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يراوح‭ ‬بين‭ ‬الترحيب‭ ‬والهجوم‭.‬

خلفية‭ ‬المشروع‭ ‬ومحاولات‭ ‬سابقة‭ ‬لإحياء‭ ‬سيرة‭ ‬أم‭ ‬كلثوم

يُعتبر‭ ‬تقديم‭ ‬سيرة‭ ‬شخصية‭ ‬استثنائية‭ ‬مثل‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬تحديًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬لأي‭ ‬صانع‭ ‬سينما،‭ ‬إذ‭ ‬ارتبطت‭ ‬صورتها‭ ‬لدى‭ ‬الجمهور‭ ‬بقدسية‭ ‬فنية‭ ‬جعلت‭ ‬تناول‭ ‬حياتها‭ ‬تمثيليًا‭ ‬مسألة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭. ‬ورغم‭ ‬وجود‭ ‬أعمال‭ ‬وثائقية‭ ‬وإذاعية‭ ‬تناولت‭ ‬مسيرتها،‭ ‬ظلّت‭ ‬السينما‭ ‬أكثر‭ ‬ترددًا‭ ‬أمام‭ ‬تجسيدها،‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬المقارنة‭ ‬ومن‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الدافع‭ ‬وراء‭ ‬إنتاج‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬الست‮»‬‭ ‬جاء‭ ‬من‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬قراءة‭ ‬جديدة‭ ‬للجانب‭ ‬الإنساني‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬أم‭ ‬كلثوم،‭ ‬وليس‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بسرد‭ ‬الأحداث‭ ‬المعروفة‭. ‬وتشير‭ ‬مصادر‭ ‬إنتاجية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عملية‭ ‬التحضير‭ ‬امتدت‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬شملت‭ ‬بحثًا‭ ‬موسّعًا‭ ‬في‭ ‬الوثائق‭ ‬التاريخية‭ ‬وشهادات‭ ‬المعاصرين‭.‬


لماذا‭ ‬منى‭ ‬زكي؟‭ ‬فلسفة‭ ‬الاختيار‭ ‬وأبعاده‭ ‬الفنية

منذ‭ ‬إعلان‭ ‬اختيار‭ ‬منى‭ ‬زكي‭ ‬لبطولة‭ ‬الفيلم،‭ ‬انطلقت‭ ‬موجة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الجدل‭. ‬لكن‭ ‬فريق‭ ‬الإخراج‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الاختيار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اعتباطيًا،‭ ‬بل‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة‭ ‬ترشيحات‭ ‬متعددة‭ ‬ودراسة‭ ‬لمدى‭ ‬قدرة‭ ‬الفنانة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬الشخصية‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬درامية‭ ‬بحتة‭.‬




ثلاثة‭ ‬أسباب‭ ‬رئيسية‭ ‬وراء‭ ‬اختيارها‭:‬

القدرة‭ ‬التمثيلية‭: ‬تعد‭ ‬منى‭ ‬زكي‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬نجمات‭ ‬جيلها،‭ ‬وصاحبة‭ ‬سجل‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬الأدوار‭ ‬المركبة‭.‬

حضور‭ ‬إنساني‭ ‬قوي‭: ‬يرى‭ ‬المخرج‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬يركّز‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬النفسي‭ ‬والشخصي‭ ‬لأم‭ ‬كلثوم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تستطيع‭ ‬منى‭ ‬تجسيده‭ ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬التقليد‭.‬

الرغبة‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬القوالب‭ ‬النمطية‭: ‬يسعى‭ ‬الفيلم‭ ‬لتقديم‭ ‬معالجة‭ ‬جديدة،‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التشابه‭ ‬الشكلي‭ ‬وإنما‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الشخصية‭ ‬دراميًا‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬كانت‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬الأولى‭ ‬تحمل‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬التحفظات،‭ ‬متسائلة‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬لمنى‭ ‬زكي‭ ‬أن‭ ‬تقنع‭ ‬الجمهور‭ ‬بشخصية‭ ‬بحجم‭ ‬أم‭ ‬كلثوم؟


الجدل‭ ‬الجماهيري‮…‬‭ ‬بين‭ ‬دفاع‭ ‬مشتعل‭ ‬وانتقاد‭ ‬عنيف

الحملة‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬واجهتها‭ ‬منى‭ ‬زكي‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لم‭ ‬تمر‭ ‬مرور‭ ‬الكرام‭. ‬فقد‭ ‬تشكّل‭ ‬تيار‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬المنتقدة‭ ‬التي‭ ‬ركّزت‭ ‬على‭ ‬نقطتين‭ ‬أساسيتين‭:‬

1‭. ‬اختلاف‭ ‬الملامح‭ ‬والصوت

أشار‭ ‬المنتقدون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬ملامح‭ ‬منى‭ ‬زكي‭ ‬وملامح‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬يجعل‭ ‬أداء‭ ‬الشخصية‭ ‬تحديًا‭ ‬غير‭ ‬مضمون‭. ‬كما‭ ‬انتقد‭ ‬آخرون‭ ‬عدم‭ ‬محاكاة‭ ‬الصوت،‭ ‬رغم‭ ‬إعلان‭ ‬فريق‭ ‬العمل‭ ‬مسبقًا‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬لن‭ ‬يقدّم‭ ‬الأغاني‭ ‬بصوت‭ ‬البطلة‭.‬

2‭. ‬حساسية‭ ‬الجمهور‭ ‬تجاه‭ ‬الرموز‭ ‬التاريخية

يعد‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أيقونات‭ ‬الفن‭ ‬العربي—خصوصًا‭ ‬أم‭ ‬كلثوم—من‭ ‬المحرّمات‭ ‬لدى‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الجمهور،‭ ‬إذ‭ ‬يصعب‭ ‬تقبّل‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬المثالية‭ ‬التي‭ ‬رسخت‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭.‬

وفي‭ ‬المقابل‭ ‬ظهرت‭ ‬موجة‭ ‬دعم‭ ‬قوية‭ ‬للفنانة،‭ ‬عبر‭ ‬فنانين‭ ‬ونقاد‭ ‬اعتبروا‭ ‬الهجوم‭ ‬مبكرًا‭ ‬وظالمًا،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬العرض‭ ‬الرسمي‭ ‬للفيلم‭.‬



مفارقات‭ ‬الردود‭ ‬الفنية‮…‬‭ ‬إشادات‭ ‬مؤثرة‭ ‬رغم‭ ‬الضجيج

رغم‭ ‬الحملة‭ ‬الشرسة،‭ ‬عبّر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬عن‭ ‬دعمهم‭ ‬لمنى‭ ‬زكي،‭ ‬مؤكدين‭ ‬أن‭ ‬التجربة—مهما‭ ‬كانت‭ ‬نتائجها—ستظل‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬السينما‭ ‬المصرية‭.‬

الفنان‭ ‬عباس‭ ‬أبو‭ ‬الحسن‭ ‬كتب‭ ‬معبرًا‭ ‬عن‭ ‬إعجابه‭ ‬بالفكرة‭ ‬واعتبرها‭ ‬“خطوة‭ ‬جريئة‭ ‬تُعيد‭ ‬قراءة‭ ‬التراث‭ ‬بروح‭ ‬معاصرة”‭.‬

الناقد‭ ‬طارق‭ ‬الشناوي‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬الهجوم‭ ‬“غير‭ ‬مبرر”،‭ ‬وأن‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الفيلم‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬مشاهدته،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬الجرأة‭ ‬الفنية‭ ‬يجب‭ ‬تشجيعها‭ ‬وليس‭ ‬محاربتها‭.‬

كما‭ ‬رأى‭ ‬بعض‭ ‬المخرجين‭ ‬أن‭ ‬تجسيد‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬لقواعد‭ ‬المحاكاة،‭ ‬بل‭ ‬لفلسفة‭ ‬فنية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إظهار‭ ‬جوهر‭ ‬الشخصية‭.‬

مضمون‭ ‬الفيلم‮…‬‭ ‬قراءة‭ ‬درامية‭ ‬لإنسانة‭ ‬خلف‭ ‬الأسطورة

يقدّم‭ ‬‮«‬الست‮»‬‭ ‬معالجة‭ ‬مبتكرة‭ ‬لمسيرة‭ ‬أم‭ ‬كلثوم،‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬محاكاة‭ ‬صوتها‭ ‬أو‭ ‬صورتها‭ ‬حرفيًا‭. ‬وتكشف‭ ‬مصادر‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬يركّز‭ ‬على‭:‬

ويعتمد‭ ‬الإخراج‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬درامي‭ ‬داخلي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬“الإنسان”‭ ‬قبل‭ ‬“الأسطورة”،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬العمل‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬فلسفية‭ ‬وفنية‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬تقليدية‭.‬


قراءة‭ ‬نقدية‭ ‬فنية‮…‬‭ ‬هل‭ ‬ينجح‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬الحداثة؟

يرى‭ ‬محللون‭ ‬سينمائيون‭ ‬أن‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬الست‮»‬‭ ‬تدخل‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬“السينما‭ ‬التأويلية”،‭ ‬أي‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬تقديم‭ ‬الرموز‭ ‬التاريخية‭ ‬برؤى‭ ‬جديدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬البعد‭ ‬الفني‭ ‬والنفسي‭. ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬السينما‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الجدل،‭ ‬لكنه‭ ‬يمثل‭ ‬مساحة‭ ‬حرية‭ ‬مهمة‭ ‬لأي‭ ‬صناعة‭ ‬فنية‭.‬